|
&& قصة قصيرة &&
((الحكمة في شعر أبي فراس))
أبو فراس الحمداني هو الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي ، أمير شاعر ،وهو ابن عم سيف الدولة ، وقد كان الصاحب بن عباد يقول :
(بدئ الشاعر بملك ، وختم بملك)
يقصد بذلك امرأ القيس ، وأبا فراس الحمداني ، وكان لأبي فراس وقائع كثيرة ،قاتل فيها بين يدي سيف الدولة ، وكان سيف الدولة يحبه ، ويجله ، وجرح في معركة مع الروم سنة (351) هـ ، وأسر ثم فداه سيف الدولة بأموال عظيمة ، ثم قتل قرب حمص سنة (357) هـ ولة من العمر سبعة ، وثلاثون عاما.
(1) هكذا لم يكمل الشاعر عقدة الرابع ، ولم يكمل الأربعين عاما ً التي تيم فيها نضوج العقل ، وتزيد فيها حصيلة التجارب .
ويعجب المرء من كثرة الأبيات التي تضمنت الحكمة في شعره ومن يتصفح ديوان الشاعر يجد أبياتاً كثيرة تضمنت حكماً مختلفة متنوعة تدل على سعة تجارب الشاعر وعمق مطالعاته وثقافته ، وعلى دقة تأملاته ونظراتة في الكون والحياة ، إنه أدرك مالم يدركه الكثير من ذوي الأسنان ومن ذلك قولة في قصيدة بعنوان ( أبى غرب هذا الدمع ) :
فلا تغترر بالناس ! ماكل من ترى |
أخوك إذا وضعت أمراً أوضعا |
ولا تتقلد ما يروعك صليه ؛ |
تقلد إذا حاربت ما كان أقطـــعا |
(2) أنه ينصح المرء ألا يغتر بكثرة الأصحاب والأصدقاء ويبين أن الصديق الحق هو الذي يقف جانبك وقت الشدة ويشبهه بالسيف الحاد الذي لايخذل المحارب حين يحتاج أليه.
وفي قصيدة أخرى يقول :
ومن لم يوق الله فهوذ ممزق |
ومن لم لم يعز الله فهو ذليل |
ومن لما يرده الله في الأمر كله |
فليس لـمخلوق إليه سبيل |
(3) كلام طيب جميل يتربع في قلب كل مؤمن ؛ إن من لم يحمه الله فهو ممزق ضعيف مهما احتمى بغيرة ، ومن اعتز بغير الله فهو ذليل مهما كانت قوته،
وإذا أمسك الله خيراً عن العبد فلن يصل إليه مهما حاول .
وكثيراً ماوقف الشعراء أمام ظاهرة الموت ، لأنها ظاهرة حتمية مخيفة مفجعة ، فكيف نظر إليها أبو فراس :
أما يردع الموت أهل النهى |
ويمنع عن غيه من غوى |
فيـا لا هـياً آمـناً والـحمام |
إليه سريع ، قريب المدى |
إذا مامررت بأهل القبور |
تيـقـنت أنــك مــنهم غـــدا |
(4) إنه يرى الموت واعظاً ، وعلى أهل الأهواء والنزوات أن يتركوا نزواتهم وشهواتهم لأنهم سيواجهون مصيرا حقاً وحساباً أكيداً ، ثم يدعو المرء إلى ترك اللهو ، وأن يستعد لذلك اليوم القريب الذي يأتي مفاجئاً سريعاً ويجعل المرء يواجه مصيره المحتم .
ثم تحن ساعة أبي فراس كما كان يتوقع في شعرة دائماً بأن الموت سيأتي فجأة ، ولم يمهله حتى يتم عقدة الرابع فيقول مخاطباً ابنته التي ترى أباها يحتضر فيقول :
أبـنيتي لا تـحزنـي |
كل الأنام إلى ذهـــاب |
أبنيتي صبراً جميلاً |
للـجليل من المصــــاب |
قـولي إذا نـاديتيـني |
وعييت عن رد الجواب |
زين الشباب أبو فراس |
لـــم يمتع بالشـــبــــاب |
(5) أبنيتي .. بهذا النداء الحبيب الرفيق يتوجه إلى صغيرته سريعاً بأسلوب النهي ( لا تحزني ) ، ويعطيها حكمة خالدة ( كل الأنام إلى ذهاب ) وهذه الحكمة زاد تساعد هذه الصغيرة في مصيبتها الجليلة ، ثم يقدم لها عزاء وتسلية أن أباها كان زينة الرجال وبطل المعارك ولكنة لم يمتع بشبابه .
ثم يتوجه إلى وجه آخر من وجوه الحكمة فيعبر عن القناعة بأسلوب موجز معبر فيقول :
تـعس الحريص ، وقل ما يأتي به |
عوضا ًمن الإلحاح والإلحاف |
إن الـغني هـو الغني بـنفسـه |
لوانـة عـاري الـمناكب حـاف |
ما كل مافوق البسيطة كافياً |
فإذا قنعت فكل شيء كاف |
(6) ألا ما أجمل القناعة !! إنها تعطي المرء إستقراراً وهدوءاً وراحة ، وإنٌٌٌ الغني هو غني النفس ، وإن الطماع الحريص غير محسود في حياته ؛ فهو محروم من المتعة ، ولن يكف عن جمع المال ، ولو حاز ما في البسيطة ، أما القنوع ؛ فإنه راضٍ ولو كان عنده القليل .
لقد جرب أبو فراس الأيام في عمره القصير، وخبر تقلب الدهر، فقال قصيدة بعنوان ( هل ترى النعمة دامت ):
هل ترى النعمة دامت |
لصغير أو كبير |
أو ترى أمرين جاءا |
أولاً مثل الأخير |
فـفـقير مـن غـني |
وغني من فقير |
(7) كلام موجز ولكنه يحمل معانياً كثيرةً : إن النعمة لا تدوم ، وإنها شرود ، ولا بد للحال من أن يعتريه تغيير ، لأن البداية لا تكون مثل النهاية ، فمن كان غنياً قد يصبح فقيراً ، ومن كان فقيراً قد يصبح غنياً ، إنه الدهر ، وإنها الأيام يقلبها الله حيث يشاء .
وكان أبو فراس كريماً ومن أصل كريم ، وكان ويكره اللؤم واللؤماء وكثيراً ماحذر منهم فقال :
احذر مقاربة اللئام فإنه |
ينبيك عنهم في الأمور مجرب |
قوم إذا أيسرت كانوا أخوة |
وإذا تربت ، تفرقوا وتجنبوا |
(8) حقاً إنه مجرب عرف الأمور ، وحقاً إنه تحذير مصيب من أولئك المنافقين الذين إذا كان الإنسان بخير كانوا إلى جانبه ، ولكن إذا تغيٌرت أحواله انقلبوا عليه وشمتوا به وسخروا منه بدل أن يكونوا سنداً له .
وهكذا رأينا أبا فراس حكيماً يقدم حكمه وكأنه قد جاوز الثمانين مع إنه لم يبلغ الأربعين ... إنها هبة الله يعطيها لمن يشاء من عباده ، ومن يعط الحكمة فقد أعطي خيراً كثيراً ...
الفهـرس
- الأعلام – خير الدين الزركلي – جـ 2 صــــــــ156ـــــ .
- من ديوان أبي فراس – طـ - دار المعرفة صـــ119ـــ .
- من ديوان أبي فراس – طـ - دار المعرفة صــ145ــــ .
- من ديوان أبي فراس – طـ - دار المعرفة صـ209ـــــ .
- من ديوان أبي فراس – طـ - دار المعرفة ص235ــــــ .
- من ديوان أبي فراس – طـ - دار المعرفة ص180ــــــ .
- من ديوان أبي فراس – طـ - دار المعرفة ص256ــــــ .
- من ديوان أبي فراس – طـ - دار المعرفة ص227ــــــ .
(( ياسين عبدالرحمن مرزا ))
|