|
|
استضافات مدارس الشروق |انجازات مدارس الشروق| أندية المدرسة| جماعات النشاط
صور النشاط | مجالات النشاط
|
| نادي
التوعية الإسلامية>شريعة الله |
شريعة الله
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
وضع الله جلت قدرته ، وتعالت حكمته ، لهذا العالم - نواميس ثابتة لا تتبدل ، وقوانين محكمة لا تتغير ؛ أحكم بها نظام السماوات والأرض ، تفكر في كل عجائب هذا الكون وغرائبه ، وأسراره ومعجزاته : فهل تجد خطأ في هذه القوانين السامية التي انتظم عليها شأن العالم ، وقامت بها السماوات والأرض ، وصلح عليها أمر هذه الحياة ، واستقام بها نظام هذا الكون ثم فكر هل تجد نظامًا أبدع من هذا النظام ؟ وهل تظن أن هنالك إحكامًا فوق هذا الإحكام ؟
لقد غبرت العقول البشرية أحقابًا طويلة وقرونًا متراخية ، وهي تجهل كثيرًا من أسرار هذا الكون التي أودعها إياه فاطر السماوات والأرض منذ فطرهن ، وجعلهن مستقرًا للحياة والأحياء ، فلما أُبيح لها شيء من النضج هداها فاطرها لكشف شيء من هذه الأسرار التي تمس إليها حاجتها في هذه العصور ، وتدعو إليها ضرورتها في أجيال النور؛ وقد تبين لها أن هذه الأسرار تحكمها قوانين دقيقة إلى أقصى حدود الدقة ، محكمة إلى آخر غايات الإحكام ، مضبوطة إلى أبعد نهايات الضبط ، فسبحان الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .
وبعد ، فهل أنتم مؤمنون بكل ما ذكرت؟
إن خالجتكم فيه الريبة أو ساورتكم الظنون فابحثوا وتأملوا ؛ وانظروا وجربوا ، وفكروا وقيسوا ، وقدّروا واستنبطوا واحكموا.
وإن عجزتم عن القيام بهذا كله ، وأعوزتكم الأداة الصالحة التي تعينكم عليه فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، سلوا العلماء الذين تجردوا لمثل هذه الأبحاث وأنضبوا معين العمر في السعي وراء حقائقها ، وصوّموا زهرات الحياة في انتظار نتائجها ، سلوا كل أولئك: هل تجدون في كل هذه القوانين الدقيقة التي نظم الله بها هذا الوجود : خطأ كثيرًا أو قيلاً ؟
سيجيبكم الراسخون في العلم منهم بأنهم كلما زادوا علمًا بحقائق هذا الكون زادوا إيمانًا بقدرة مبدعه، ويقينًا بعلمه وحكمته ، وهتفوا صائحين مرددين قوله الكريم : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا )، ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ).
وبعد : فهل أنتم مؤمنون بأن الله جلت قدرته هو الذي خلق كل هذا الكون وأبدع كل هذا الوجود وأودعه كل هذه الأسرار، ووضع كل هذه القوانين المحكمة التي لا يلحقها خلل، ولا يدركها نقص ، ولا يمسها عيب، ولا يتخلف عن الخضوع لحكمها صغير ولا كبير؟
هل أنتم مؤمنون بأن الله سبحانه خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد؟
هل أنتم مؤمنون بأن الله يعلم حقيقة خلقه واستعدادهم وما يصلح شأنهم ، وما تستقيم عليه أمورهم؟ ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
هل أنتم مؤمنون بأن القوانين التي وضعها للسوائل والجمد مما لا عقل له ولا إرادة حكمتها حكمًا لا يعتوره خلل ولا يدركه فساد ؟
تلك سنة الله ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً .
ولله قانون آخر في سياسة الدول والشعوب، فالدولة التي تستقيم على الطريقة يؤيدها بنصره ، ويعزها ويؤتيها رزقها رغدًا من كل مكان ، أما الأمة التي تخالف عن أمره ، وتتنكب الصراط السوي ، وتنحل أخلاقها ، وتتخاذل قواها ؛ ويسودها التنازع والتفرق ، فإنها تضعف ويعتورها الفشل والسقوط ، وتصبح مضربًا للأمثال ، قال تعالى: ( وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا ) {الطلاق:98}، وقال تعالى : ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) {النحل:112}، وقال تعالى: ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) {الأحزاب:62}.
سل علماء التاريخ الذين تتبعوا بالدرس والتمحيص مجرى الأحداث التاريخية في الأمم قاطبة، ورأوا سنة الله في الأمم والشعوب ، وقدروا ارتباط الأسباب بمسبباتها ، والمقدمات بنتائجها : هل تخلفت سنة الله؟ أم هل تبدل ناموسه؟ أم هل تغير قانونه ؟ فلن نسمع منهم جميعًا إلا جوابًا واحدًا تلتقي عنده آراؤهم ، وتتفق عليه كلمتهم : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإن أعمار الأمم كأعمار الأفراد : ضعف في طفولة ، وقوة في شباب ، وتماسك في كهولة ، وضعف في شيخوخة ، ثم موت وفناء ، ذلك تقدير العزيز العليم .
أي شيء في الوجود لم ينظمه الخالق بقانون ؟ أيّة ظاهرة من ظواهر الكون لم يجعلها القادر الحكيم أثرًا لمؤثر ؟ أي حدث من أحداث هذا الوجود لم يجعله اللطيف الخبير نتيجة لمقدمة ؟
إذا كان ربك قد أحاط بكل شيء علمًا ، وأحكم كل شيء نظامًا ، وأتقن كل شيء تدبيرًا؛ أفيعجز عن أن يضع للناس شريعة تنظم معاملاتهم ، وتحكم تصرفاتهم ، وتكف عدوان بعضهم عن بعض ، وتقف كلا عند حده؟
ربك الذي نظم كل شيء ، وأتقن كل شيء ، وأحاط بكل شيء علمًا ، وخلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن ، ونظم كل شيء فيهن ، ولم يعجز عن تدبيره، وقدر كل شيء تقديرًا؛ أفيعجز أن يضع تشريعًا ينظم سير البشر في معاشهم ، ومعاملاتهم ومعاشراتهم ومبادلاتهم ؟ حاشا لله ( لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) {غافر:57}.
وبعد فهل أنتم مؤمنون بأن الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وأنزل عليه كتابًا قيمًا غير ذي عوج لينظم به شئون خلقه في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم ؟ لقد حكم هذا القانون البلاد الإسلامية كلها يوم كانت في أسمى ذرا المجد ، وكانت تسطير على العالم كله ، فحقق معاني العدل الإنساني كلها ، وأرضى الناس جميعًا ، وأسعد الناس جميعًا ، وأغنى الناس جميعًا ، ووطد قواعد العدل والنظام ، وأقام صروح الثقة والطمأنينة ؛ وأنشأ بالحق المدينة الفاضلة التي كان يحلم بها الفلاسفة القدماء .
سيقول المفتونون بالغرب والغربيين : إنه قانون وحشي لأنه يجلد الزاني والزانية إن كانا بكرين أو يرجمهما إن كانا محصنين ، ويقطع يد السارق ويجلد القاذف والشارب . انظر كيف يفترون على الله الكذب، وكفى به إثمًا مبينًا .
أهذه هي الوحشية التي تزعمون ؟ وهذه الآلاف المؤلفة ، بله الملايين من زهرة الشباب التي تُجمع وتُساق إلى ميادين القتال سَوْق الشياه البلهاء إلى المجازر ، حيث تزهق أنفسهم ، وتراق دماؤهم ، وتتمزق أشلاؤهم ، وحيث يتركون وراءهم أيتامًا لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا ، وأرامل تضيق بهن سبل العيش فيلتمسنه من سبل يأباها الشرف والفضيلة ، أليس هذا كله وحشية تضج من هولها الأرض والسماء؟
قتل الأبرياء بغير ذنب ولا جريرة ، واستعباد الشعوب ، وامتصاص دماء الأمم واستنزاف ثرواتها بغير الحق في نظركم مدنية ورقي ونظام - وعقوبة مجرم مفتات على الفضيلة ، معتد على حقوق الضعفاء ، منتهك لحرمة الأدب : تعدونها وحشية.
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
إن شريعة الله القاضية بعقاب الزاني والسارق والقاذف لو نفذت مرة واحدة لكان تنفيذها كفيلاً باستئصال شأفة هذه الجرائم إلى الأبد .
دُونكم كتب التاريخ : فتشوا في بطونها ، استنبئوا صفحاتها ، ثم انظروا كم مرة وقعت عقوبة الرجم في القرن الأول من حياة الإسلام؟ أيام أن كان هذا القانون مرهوب الجانب ، قوي السلطان ، تُخشى سطوته ويُرهب بأسه .
إن الله الذي برأ الخلق وأودعهم غرائزهم، وركب فيهم طبائعهم ، هو وحده العليم بما يحدّ من طغيان هذه الغرائز ، ويكف من غلواء هذه الطبائع .
قل لهؤلاء الذين يشفقون على اللصوص والعارمين ، والفساق والعاهرين ؛ والشطار والداعرين، إن ما يصيب هؤلاء جميعًا في الدهر الأطول من تنفيذ شريعة الله على من يخالف من أمرها في الأرض إلى أن يحكم بين الخلق أحكم الحاكمين ؛ لا يكاد يذكر بجانب ما توقعون من الأذى في يوم واحد بالأبرار والأطهار والأبرياء الذين لم يقترفوا إثمًا ، ولم يُلموا بمعصية ، ولم يفكروا في خطيئة .
أحيوا الضمائر ، وهذبوا الوجدان ، وأيقظوا القلوب ، ونبهوا النفوس إلى مراقبة خالقها القادر الحكيم .
والحمد لله رب العالمين.
الأستاذ / محمد الوحيمد
|
|
|
|